جلال الدين السيوطي
146
الأشباه والنظائر في النحو
قال « 1 » ابن يعيش : معنى التقارض أن كل واحد منهما يستعير من الآخر حكما هو أخصّ به ، فأصل غير أن يكون وصفا والاستثناء فيه عارض معار من إلا . التقدير فيه مباحث : الأول : قال « 2 » ابن هشام : القياس أن يقدّر الشيء في مكانه الأصلي ، لئلا يخالف الأصل من وجهي الحذف ووضع الشيء في غير محله ، فيجب أن يقدّر المفسر في نحو : زيدا رأيته ، مقدما عليه . وجوّز البيانيون تقديره مؤخّرا عنه ، وقالوا : إنه يفيد الاختصاص حينئذ ، وليس كما توهموا ، وإنما يرتكب ذلك عند تعذر الأصل أو عند اقتضاء أمر معنوي لذلك . فالأول نحو : أيّهم رأيته ، إذ لا يعمل في الاستفهام ما قبله ونحو : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [ فصلت : 17 ] فيمن نصب ، إذ لا يلي أما فعل ، وكنا قدمنا في نحو : في الدار زيد ، أن متعلّق الظرف يقدّر مؤخرا عن زيد لأنه في الحقيقة الخبر ، وأصل الخبر أن يتأخر عن المبتدأ ، ثم ظهر لنا أنه يحتمل تقديره مقدما لمعارضة أصل آخر وهو أنه عامل في الظرف ، وأصل العامل أن يتقدم على المعمول ، اللّهم إلا أن يقدر المتعلق فعلا فيجب التأخير ، لأن الخبر الفعلي لا يتقدم على المبتدأ في مثل هذا ، وإذا قلت : إن خلفك زيدا ، وجب تأخير المتعلق فعلا كان أو اسما ، لأن مرفوع ( إن ) لا يسبق منصوبها ، وإذا قلت : كان خلفك زيد ، جاز الوجهان ، ولو قدرته فعلا لأن خبره كان يتقدّم مع كونه فعلا على الصحيح ، إذ لا تلتبس الجملة الاسمية بالفعلية . والثاني : نحو متعلّق البسملة الشريفة ، فإن الزمخشري « 3 » قدّره مؤخرا عنها ، لأن قريشا كانت تقول : باسم اللّات والعزّى نفعل كذا ، فيؤخرون أفعالهم عن ذكر ما اتخذوه معبودا تفخيما لشأنه بالتقديم فوجب على الموحّد أن يعتقد ذلك في اسم اللّه تعالى فإنه الحقيقي بذلك . الثاني : ينبغي تقليل المقدّر ما أمكن لنقل مخالفة الأصل ، ولذلك كان تقدير الأخفش : ضربي زيدا قائما ، ضربه قائما ، أولى من تقدير باقي البصريين : حاصل إذ
--> ( 1 ) انظر شرح المفصّل ( 2 / 88 ) . ( 2 ) انظر مغني اللبيب ( 2 / 678 ) . ( 3 ) انظر الكشاف ( 1 / 3 ) .